لطالما أثبت تاريخ التكنولوجيا أن المكاسب الاقتصادية الكبرى لا تتأتى بمجرد ظهور الاختراعات الجديدة، بل تتحقق فعلياً عندما تتحول هذه الابتكارات إلى استخدام يومي واسع النطاق. ورغم التطور المذهل الذي شهدته قدرات الذكاء الاصطناعي مؤخراً، فإننا نشهد ما يمكن تسميته بـ “فجوة الإمكانيات”، وهي الهوة المتسعة بين ما تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي فعله، وبين كيفية استخدام البشر لها في واقعهم العملي. هنا تبرز أنظمة التعليم كأداة حاسمة لجسر هذه الهوة، لا سيما وأن الدراسات تشير إلى أن قرابة 40% من المهارات الأساسية التي يعتمد عليها الموظفون اليوم ستتغير بحلول عام 2030، مدفوعة بشكل رئيسي بتطورات الذكاء الاصطناعي. إن دمج هذه التقنيات في المناهج الدراسية وهياكل الجامعات ليس مجرد تحديث تقني، بل هو ضرورة لتطور النظام التعليمي بما يضمن إعداد الطلبة لحياة ونجاح مهني في عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.
التعليم العالي كقاطرة للتغيير
في ظل هذه التحولات الجذرية في طرق العمل والعيش، لم يعد مقبولاً أن تلعب مؤسسات التعليم العالي دور المتفرج؛ بل يتعين عليها قيادة هذه المرحلة. وكما يشير خوان م. لافيستا فيريس في كتابه الجديد “درجات التغيير”، فإن التعليم العالي مطالب بتحقيق توازن دقيق: تزويد الجيل القادم بمهارات الذكاء الاصطناعي الجديدة والضرورية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على رسالته التاريخية المتمثلة في تنمية التفكير النقدي، ومهارات التواصل، والقيم الإنسانية.
إن “محو الأمية” في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً ترفيهياً أو مادة اختيارية، بل أصبح متطلباً أساسياً مثله مثل القراءة والحساب. فمع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل مناحي الحياة، من دفع الفواتير إلى استخدام النقل العام، باتت الجامعات ملزمة بتدريس المهارات التقنية لضمان طلاقة الطلبة في التعامل مع هذه الأدوات. ولا يخفى أن سوق العمل بدأ بالفعل يترجم هذه المهارات إلى أرقام، حيث تظهر البيانات الأولية أن إتقان الذكاء الاصطناعي يرتبط بزيادة في الأجور تصل إلى 23%.
مبادرة “التعليم للدول”: مقاربة عملية للشراكة
استجابةً لهذه التحديات، وتجسيداً للرؤية التي تضع التعليم في قلب المعادلة، تم إطلاق برنامج “التعليم للدول” (Education for Countries) كركيزة جديدة ضمن مبادرة OpenAI للدول. تهدف هذه الخطوة إلى بناء شراكات استراتيجية مع الحكومات والاتحادات الجامعية لدمج الذكاء الاصطناعي في المنظومات التعليمية، وتخصيص مسارات التعلم، وتقليص الأعباء الإدارية. ومن خلال التعاون الوثيق مع وزارات التعليم والشركاء الأكاديميين، ترتكز هذه المبادرة على عدة عناصر محورية، أبرزها توفير أدوات متقدمة مثل “ChatGPT Edu” و”GPT-5.2″ ونظام “Canvas”، والتي يمكن تكييفها لدعم الأولويات التعليمية المحلية لكل دولة.
لا تقتصر المبادرة على توفير الأدوات فحسب، بل تمتد لتشمل أبحاثاً موسعة حول نتائج التعلم، لفهم كيفية دعم الذكاء الاصطناعي للعملية التعليمية وتأثيره على إنتاجية المعلمين، مما يساعد في صياغة السياسات المحلية وتطوير القوى العاملة. كما تشمل البرامج شهادات وتكوينات متخصصة من “أكاديمية OpenAI”، تمنح المدرسين والطلبة مهارات عملية تتماشى مع أولويات التوظيف الوطنية، وذلك ضمن شبكة عالمية من الشركاء تتبادل الخبرات وتعمل على تعزيز الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
تجارب دولية ونماذج للتطبيق
لقد بدأ هذا التعاون العالمي يؤتي ثماره، حيث تضم المجموعة الأولى من الشركاء دولاً مثل الإمارات العربية المتحدة، الأردن، إستونيا، اليونان، وكازاخستان، بالإضافة إلى مؤتمر رؤساء الجامعات الإيطالية. وفي إستونيا على سبيل المثال، تم نشر أدوات مثل “ChatGPT Edu” في الجامعات الحكومية والمدارس الثانوية، لتصل إلى أكثر من 30 ألف طالب ومدرس وباحث خلال العام الأول فقط. ويجري حالياً تنفيذ شراكات بحثية طويلة الأمد، كالدراسة الواسعة النطاق بالتعاون مع جامعة تارتو وستانفورد، لقياس تأثير الذكاء الاصطناعي على نتائج تعلم 20 ألف طالب بمرور الوقت.
نحو “محو أمية مزدوج” ومسؤولية مشتركة
إن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يعتمد على نهج تدريجي ومدروس. الأولوية الآن هي تكوين المعلمين وتزويدهم بالأدوات اللازمة، فهم حجر الزاوية في إدخال هذه التقنيات إلى الفصول الدراسية. وفي حين أصبح “ChatGPT Edu” متاحاً لطلبة التعليم العالي، يبدأ الوصول في المدارس الثانوية عبر مشاريع تجريبية صغيرة مصممة بعناية مع الإدارات المحلية لضمان السلامة وملاءمة المناهج.
ولكن الرهان الأكبر يكمن في تحقيق ما يُسمى بـ “محو الأمية المزدوج”؛ حيث يجب على المطورين فهم تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع والمخاوف الأخلاقية، بينما يجب على المعلمين وصناع القرار والجمهور فهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي. هذا الفهم المتبادل هو المفتاح لابتكار مسؤول، حيث يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية ليتفرغوا للأعمال الإبداعية والأحكام المعقدة. إن المؤسسات التعليمية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، للتحرك بسرعة وتحديد معايير واضحة للمؤهلات التقنية، وتوفير الدعم المالي والهيكلي لدمج هذه المهارات، مع ضمان الشمولية وسهولة الوصول لجميع المتعلمين، لأن تكلفة التقاعس ستكون باهظة في مستقبل لا ينتظر المترددين.