بين الطموح الأكاديمي ومخاطر تآكل المهارات: واقع الذكاء الاصطناعي في الجامعات الأمريكية

التعليم

يشهد قطاع التعليم العالي في الولايات المتحدة تحولات متسارعة تعكس ازدواجية معقدة؛ فبينما تتسابق المؤسسات الجامعية لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مناهجها وبنيتها البحثية، تتصاعد أصوات الأكاديميين المحذرة من تأثيرات هذا التبني السريع على جودة التعليم والمهارات النقدية للطلاب. ولعل ما يحدث حالياً في جامعة ولاية نيو مكسيكو (NMSU) بالتزامن مع صدور تقارير إحصائية مقلقة، يرسم صورة واضحة لهذا المشهد المتناقض.

نموذج للتوسع المؤسسي والاستثمار المليوني

في خطوة تعكس التوجه نحو “التطبيق العملي” للتكنولوجيا، أعلنت جامعة ولاية نيو مكسيكو عن إطلاق “معهد الممارسات التطبيقية في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي” في ربيع عام 2025. هذه المبادرة لم تأتِ من فراغ، بل دُعمت بتمويل ضخم بلغ 2.5 مليون دولار، ساهمت فيه ولاية نيو مكسيكو بمليوني دولار، بينما غطى مكتب رئيس الجامعة، فاليريو فيرمي، المبلغ المتبقي. وتهدف الجامعة من خلال هذا المعهد إلى تجاوز الجانب النظري، حيث صرح إنريكو بونتيلي، عميد كلية الآداب والعلوم ورئيس المعهد الجديد، بأن المهمة الأساسية هي جمع الباحثين والممارسين لقيادة المنطقة نحو حلول عملية تعالج تحديات واقعية.

لا يقتصر التحرك على إنشاء المعهد فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الأكاديمي الصرف؛ إذ تستعد الجامعة لإطلاق أول درجة بكالوريوس في الذكاء الاصطناعي على مستوى الولاية بحلول خريف 2026، تليها درجة ماجستير مبتكرة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي. ويرى فيرمي أن هذه الخطوة ضرورية وملحة لاستغلال المختبرات والتكنولوجيا المتاحة بمسؤولية، مما يفتح آفاقاً واسعة للطلاب.

على أرض الواقع، بدأت نتائج هذا التوجه تظهر بوضوح، حيث نجحت كلية العلوم الزراعية والمستهلك والبيئة في مساعدة أصحاب المزارع على استخدام “الأسوار الافتراضية” لمراقبة الماشية والتحكم فيها، وهو حل حيوي جاء بعد دمار الأسوار المادية جراء الحرائق الأخيرة. كما انخرط المعهد في نشاطات مكثفة، شملت التعاون مع جامعة هوارد في مقترح لشبكة أبحاث وطنية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة، وتنظيم لقاءات مع ممثلي السيناتور مارتن هاينريش لمناقشة دمج هذه التقنيات في التعليم العالي، فضلاً عن قيادة ندوات وطنية حول بناء القدرات التعليمية.

أزمة الثقة: هل يُضعف الذكاء الاصطناعي عقول الطلاب؟

على الجانب الآخر من هذا المشهد المتفائل، تبرز معطيات مقلقة كشف عنها استطلاع للرأي أجري في يناير 2026، شمل 1057 عضواً من هيئات التدريس ونفذته الرابطة الأمريكية للكليات والجامعات وجامعة إيلون. النتيجة كانت صادمة: 90% من أعضاء هيئة التدريس يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير النقدي لدى الطلاب. هذه المخاوف ليست معزولة، بل تتقاطع مع تقرير عالمي صادر عن “بروكينغز” شمل 50 دولة، خلص إلى أن مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي على تعلم الأطفال وتطورهم تفوق حالياً فوائده المثبتة.

وتشير البيانات إلى فجوة تنظيمية هائلة؛ فبينما يستخدم 90% من طلاب الجامعات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم الأكاديمية، فإن 40% فقط من المؤسسات كانت تمتلك سياسات واضحة للاستخدام حتى عام 2025. وحتى في الحالات التي توجد فيها توجيهات، فإنها غالباً ما تكون غير متطورة وتعتمد على مؤشرات قائمة على التصورات بدلاً من نتائج تعليمية قابلة للقياس، كما أظهرت مراجعة “Digital Promise” في ديسمبر 2025.

فجوة سوق العمل والتبني غير المنظم

التبعات لا تتوقف عند حدود القاعات الدراسية، بل تمتد لتضرب عمق الجاهزية لسوق العمل. يُظهر تحليل للقوى العاملة أجرته “بيرسون” في يناير 2026 أن 44% من الشركات الأمريكية تدفع الآن مقابل أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي قفزة كبيرة مقارنة بـ 5% فقط في عام 2023. ومع ذلك، فإن غالبية العمال يفتقرون للمهارات اللازمة لاستخدامها بفعالية، مما يهدد بخسارة مكاسب اقتصادية محتملة تتراوح بين 4.8 و6.6 تريليون دولار بحلول عام 2034.

يبدو أن التعليم العالي لا ينجح في ردم هذه الهوة؛ إذ أفاد 63% من أعضاء هيئة التدريس أن خريجي ربيع 2025 لم يكونوا مستعدين جيداً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، رغم تعرضهم المتكرر لهذه الأدوات أثناء الدراسة. والأخطر من ذلك، أشار 78% منهم إلى زيادة في انتهاكات النزاهة الأكاديمية منذ انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذه الأرقام تؤكد حقيقة مؤلمة: الطلاب يغادرون الجامعة دون أن يصبحوا متعلمين أفضل أو محترفين أكثر جاهزية.

استراتيجيات الحل: حماية الجهد المعرفي

إن المشكلة لا تكمن في فشل حتمي للذكاء الاصطناعي في التعليم، بل في “التبني غير المنظم”. تشير الأدبيات الحالية إلى أن المؤسسات التي تنجح في تجنب هذه الأضرار هي التي تربط استخدام التقنية بأهداف تعليمية واضحة وحوكمة صارمة. يتطلب الأمر تحديد الممارسات التي تحمي “العمل المعرفي”، وتحديد أشكال التفكير التي يجب أن يؤديها الطالب بشكل مستقل، مثل التركيب والتقييم.

نموذج جامعة “جورج تاون” يقدم مثالاً حياً على ذلك، حيث قام الأساتذة في مقرر الكتابة للسنة الأولى بإعادة تصميم المهام لحماية التفكير. سُمح للطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام محددة وموجهة مثل العصف الذهني والمخططات التفصيلية، بينما حُظر استخدامه في الاقتباس المباشر أو الكتابة الإبداعية والتأملات الشخصية. واشترطت السياسة الشفافية وتحمل الطالب مسؤولية الدقة. كما يؤكد الخبراء على ضرورة عدم توسيع نطاق استخدام الأدوات إلا بعد توفر أدلة ملموسة على فائدتها التعليمية، بدلاً من الانسياق وراء مقاييس التبني الرقمي المجردة.