من “المجهول” سيد الموائد إلى أسرار البستنة.. هكذا نضمن ثماراً لا تخيب

أسلوب الحياة

لا يكتمل الحديث عن المائدة المغربية الأصيلة، خصوصاً في المناسبات الكبرى وشهر رمضان المبارك، دون استحضار “المجهول”، ذلك التمر الذي تربع على عرش التمور وأصبح سفيراً للجودة المغربية في العالم. هذا “الملك” الذي يتميز بحجمه الكبير وملمسه الناعم ومذاقه الشديد الحلاوة، يتهافت عليه المغاربة بمجرد اقتراب الشهر الفضيل، فرغم ثمنه الذي قد يبدو مرتفعاً للبعض، إلا أنه يظل استثماراً في الصحة والغذاء المتوازن، ورفيقاً مثالياً ليوم صيام طويل يقضي على العطش ويمد الجسم بالطاقة.

كنز تافيلالت الغذائي

يحظى تمر المجهول بمكانة استثنائية في الثقافة المغربية، فهو الحاضر الدائم في حفلات الزفاف، سواء داخل الوطن أو لدى الجالية في المهجر، حيث يُقدم غالباً محشواً باللوز أو عجينته الحلوة، وأحياناً بالمكسرات الفاخرة كجوز البقان. وتؤكد أخصائية التغذية مارية بنجلون أن لهذا التمر خصائص غذائية تضاهي أصناف التمور الأخرى، لكنه يتفرد بغناه بالسكريات السريعة التي تمنح طاقة فورية للجسم دون احتوائه على مواد دسمة. وتبرز قيمته الصحية للمصابين بارتفاع ضغط الدم بفضل توفره على نسب عالية من البوتاسيوم، فضلاً عن دوره في تسهيل الهضم وتجنيب الصائم مشاكل الإمساك.

وتشير الدراسات، ومنها تلك التي أنجزها الدكتور محمد عزيز الهوميزي بجامعة محمد الأول بوجدة، إلى أن المجهول يصنف ضمن فصيلة نادرة تُزرع تاريخياً في منطقة الرشيدية بجهة تافيلالت بالجنوب الشرقي للمغرب، ومنها انتشرت زراعته لتصل إلى دول مثل مصر والأردن وتونس وحتى الولايات المتحدة، ما يجعل منه سفيراً فوق العادة للزراعة الوطنية. وتضيف بنجلون أن غنى هذا التمر بالمعادن كالحديد والزنك يجعله مفيداً لمرضى فقر الدم، ناهيك عن الفوسفور والمنغنيز المفيدين لصحة القلب والدماغ. ولتحقيق أقصى استفادة، يُنصح بتناول حبة واحدة منه مع كأس ماء عند الإفطار، ثم الانتظار لقرابة عشر دقائق أو بعد أداء صلاة المغرب لتناول باقي الطعام.

التوقيت الشتوي مفتاح النجاح الزراعي

وبينما يستمتع المستهلك بقطف ثمار “المجهول” أو غيره من الفواكه كالخوخ والتفاح والتين، فإن الوصول إلى هذه النتيجة “المثمرة” في حديقة المنزل يتطلب تخطيطاً دقيقاً ومعرفة علمية بأسس الغرس، وهو ما يغفل عنه الكثيرون من الهواة. يشير الخبراء الزراعيون، مثل تيم هارتمان المتخصص في زراعة الفاكهة، إلى أن نجاح الأشجار المثمرة يبدأ من اختيار التوقيت المناسب، حيث تُعد الفترة الممتدة من دجنبر إلى فبراير (فصل الشتاء) الأنسب لغرس معظم أشجار الفاكهة.

تكمن أهمية الغرس المبكر خلال الشتاء في منح الشتلات فرصة لتطوير نظام جذري قوي قبل استيقاظها من سباتها الشتوي وحلول الربيع، فهذه الجذور القوية هي التي ستدعم الشجرة لاحقاً لمواجهة حرارة الصيف وظروف الجفاف. ويُستثنى من هذه القاعدة الأشجار شبه الاستوائية كالحوامض والزيتون، التي يفضل تأخير غرسها حتى زوال خطر الصقيع تماماً.

خطوات عملية لغرس سليم

لا يكفي اختيار التوقيت، بل يجب اختيار الشجرة المناسبة لبيئة المنطقة ومناخها، ويُفضل دائماً اقتناء شتلات متوسطة الحجم (بين 3 إلى 5 أقدام) من مشاتل موثوقة، حيث تثبت هذه الشتلات نجاحاً وتأقلماً أسرع مقارنة بالأشجار الكبيرة، شريطة أن تكون خالية من علامات المرض أو الإجهاد. وبعد اختيار الشتلة، تأتي مرحلة تحديد الموقع الذي يجب أن تصله أشعة الشمس بوفرة ويتمتع بتربة جيدة التصريف، فالتربة الطينية الثقيلة أو المناطق المنخفضة التي تتجمع فيها المياه قد تؤدي إلى تعفن الجذور وموت الشجرة، لذا يُنصح برفع التربة قليلاً في المناطق المنخفضة لتجنب المياه الراكدة.

عند عملية الغرس، سواء كانت الشجرة بجذور عارية أو في وعاء، يجب حفر حفرة تتسع للجذور دون زيادة مفرطة، مع الحرص على أن يكون “طوق الجذر” (نقطة التقاء الساق بالجذور) مساوياً لسطح التربة. وبالنسبة للأشجار المزروعة في أوعية، من الضروري إزالة خليط التأصيص وتفكيك الجذور بلطف لتنمو نحو الخارج، مع قص أي جذور ملتفة لتجنب اختناق الشجرة مستقبلاً، ثم إعادة ردم الحفرة بالتربة الأصلية وسقيها جيداً لتثبيت التربة حول الجذور.

الصبر وعدم الإفراط في العناية

من الخطوات التي قد تبدو قاسية لكنها ضرورية، هو إجراء “تقليم جائر” أو قص قوي للشجرة فور غرسها، فهذا الإجراء يعيد التوازن بين المجموع الجذري والخضري ويدفع الشجرة لتركيز طاقتها على نمو الجذور وبناء هيكل قوي قادر على حمل الثمار لاحقاً. كما يجب الحفاظ على منطقة دائرية خالية من الأعشاب الضارة حول الشجرة بقطر 4 إلى 5 أقدام لتقليل المنافسة على الماء والمغذيات. وفي الختام، يحذر الخبراء من “قتل الشجرة بالاهتمام الزائد”، فبعد الغرس والتقليم، لا تحتاج الشجرة إلى سقي إضافي مكثف حتى تظهر الأوراق ويبدأ الربيع، فالإفراط في الري هو أحد أبرز أسباب موت الشتلات الحديثة.